أميركا التي نحتاجها

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في افتتاحيتها مقالاً تحت عنوان “أمريكا التي نحتاجها”، ناقشت فيه الطبيعة غير المكتملة للمشروع الأمريكي التي كشفت عنها جائحة فيروس كورونا، والمسافة الكبيرة بين واقع الحياة والموت في الولايات المتحدة والقيم التي تأسست عليها هذه الدولة. وجاء في المقال:

على مدى نصف القرن الماضي، كان نسيج الديمقراطية الأميركية مشدوداً إلى حد كبير. وكانت الأمة قد تغاضت عن اضمحلال منهك – في مؤسساتها العامة وفي تركيز القوى الاقتصادية – لم نشهد له مثيل منذ عشرينيات القرن العشرين. وبالرغم أن العديد من الأميركيين يعيشون من دون أمن أو فرصة مالية، فإن حفنة قليلة من العائلات تمتلك الكثير من ثروة البلاد. وعلى مدى العقد الماضي، تجاوزت ثروة أغنى 1 في المائة من الأسر الثروة التي يمتلكها 80 في المائة من عامة الشعب.

كشفت الأزمة الحالية الولايات المتحدة كدولة يمكن فيها للاعبي كرة السلة المحترفين إجراء اختبار الإصابة بالفيروس التاجي بسرعة فائقة، لكن العاملين في مجال الرعاية الصحية يتم إبعادهم، كدولة يستطيع فيها الأثرياء عزل أنفسهم في منازل أخرى، معتمدين على العمال الذين لا يمكنهم الحصول على إجازات مرضية مدفوعة الأجر لإيصال الطعام لهم، الغذاء؛ كدولة يناضل فيها أطفال الأسر ذات الدخل المنخفض لمتابعة دروسهم عبر المنصات التعليمية الإلكترونية حيث من المفترض أن يتم تسليم دروسهم المدرسية الآن.

إنها دولة يجب أن يحسب فيها المسؤولون المحليون، الذين يصدرون أوامر البقاء في المنزل، حيث المفارقة القاسية التي مفادها أن مئات الآلاف من الأمريكيين ليس لديهم منازل. وبسبب عدم وجود أماكن خاصة لهم، فإن عليهم النوم في الأماكن العامة. وقد رسمت لاس فيغاس مستطيلات على إسفلت مرآب للسيارات لتذكير السكان المشردين بالنوم على مسافة ستة أقدام – والواقع أن هذا التصرف ربما كان بمثابة قطعة قاتمة من فن الأداء تحت عنوان “أقل ما يمكننا القيام به”.

إنها دولة تنعكس فيها التفاوتات العرقية الدائمة، في الثروة والصحة، وفي عدد الوفيات الناجمة عن الجائحة. ففي ميشيغان، حيث انتشر الفيروس التاجي في وقت مبكر وشاق، يشكل الأمريكيون من أصل أفريقي 14 بالمائة فقط من سكان الولاية، لكنهم يشكلون 40 بالمائة من القتلى. وقد نشر جايسون هارغروف، الذي استمر في قيادة حافلة مدينة ديترويت مع انتشار الفيروس، مقطع فيديو على فيسبوك في 21 أذار، وهو يشكو من راكبة تسعل دون تغطية فمها. وقال إنه كان عليه أن يواصل العمل لرعاية عائلته. وفي هذا الفيديو، أخبر زوجته أنه سيخلع ملابسه في ردهة المنزل الأمامية عندما يعود وسيستحم مباشرة، حتى تظل آمنة. وبعد أقل من أسبوعين، مات هذا السائق.

تقدم الحكومة الفيدرالية مساعدة مؤقتة للأمريكيين الأقل حظاً، وقد اعترض القليل على تلك التدابير الطارئة، لكن بعض السياسيين يؤكدون بالفعل أن الطبيعة غير العادية للأزمة لا تبرر إجراء تغييرات دائمة في العقد الاجتماعي. وهذا يسيء فهم طبيعة الأزمات بشكل عام وتفاصيل حالة الطوارئ الحالية. فحجم الأزمة لا يتم تحديده فقط من خلال تأثير الأحداث المتسارعة ولكن أيضاً من خلال هشاشة النظام الذي تهاجمه. وقد كان مجتمعنا عرضة بشكل خاص لهذا الوباء لأن الكثير من الأمريكيين يفتقرون إلى الحرية الأساسية لحماية حياتهم وحياة أسرهم.

هذه الأمة كانت مريضة قبل وقت طويل من وصول الفيروس التاجي إلى شواطئها، فهناك انقسام كبير يفصل الأميركيين الأثرياء، الذين يتمتعون بالكامل بفوائد الحياة في أغنى دولة على وجه الأرض، عن الجزء المتزايد من السكان الذين تفتقر حياتهم إلى الاستقرار أو أي احتمال حقيقي للتحسن.وفي العام الماضي دفع الملياردير في صندوق التحوط كينيث غريفين 238 مليون دولار لشقة في نيويورك تطل على سنترال بارك. دفع الملياردير كينيث غريفين، صندوق التحوط، 238 مليون دولار العام الماضي لشقة في نيويورك تطل على سنترال بارك وهو يخطط للبقاء هناك عندما يكون في المدينة. وفي الوقت نفسه، فإن 10,9 مليون أسرة أميركية بالكاد تستطيع أن تتحمل تكاليف شراء شقة. وهم ينفقون أكثر من نصف دخولهم على الإيجار، لذا فإنهم يوفرون أموالهم من أجل الأغذية والرعاية الصحية. وفي أي ليلة من الليالي، هناك نصف مليون أميركي مشرد.

وعلاوة على ذلك، فإن فرص النهوض أصبحت في انحدار بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون في القاع.وفي الوقت الذي يبلغون فيه الثلاثين من العمر، فإن أكثر من 90 في المائة من الأميركيين المولودين في عام 1940 كانوا يكسبون أكثر مما كان يكسبه آباؤهم في العمر ذاته. ولكن من بين أولئك الذين ولدوا في عام 1980، كان نصف هؤلاء فقط يكسبون أكثر من آبائهم بحلول سن الثلاثين.

إن تآكل الحلم الأمريكي ليس نتيجة الكسل أو انعدام المواهب، بل لاًن الفرصة تلاشت واختفت. ومن الصعب صعود السلم الاقتصادي، فالدخل الحقيقي أصابه الركود لعقود من الزمان حتى مع زيادة تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية. والعديد من الأمريكيين ذوي الدخل المنخفض يولدون في أحياء فقيرة ملوثة، ولا توجد وظائف لائقة يمكن الحصول عليها.

قالت ميلاني مارتين ليف، التي تعمل في مجال التسويق في فيلادلفيا، “في سن الأربعين، كان والداي يمتلكان منزلاً، وكان لدي طفل  وكانا يعملان بشكل جيد في حياتهم المهنية، والآن أنا أعمل بشكل مستقل، ومستأجرة، وبلا شريك ولا أطفال”.

إن عدم المساواة في الثروة أصبح عدم مساواة في الصحة. يمكن للأمريكي في منتصف العمر في الخمس الأعلى لتوزيع الدخل أن يتوقع أن يعيش حوالي 13 عاماً أكثر من شخص بعمره في الخمس الأدنى لتوزيع الدخل – وهي ميزة زادت بأكثر من الضعف منذ عام 1980.

لقد أصبح عكس اتجاه هذه التغيرات أكثر صعوبة لأن توزيع السلطة السياسية أيضاً أصبح غير متكافئ على نحو متزايد. إن نظامنا الديمقراطي يرزح تحت ضغوط شديدة في حين يعمل أولئك الذين يتمتعون بالثروات على نحو متزايد على تشكيل مسار صنع السياسات، ويعملون من منطلق المصلحة الذاتية وربما أيضاً لأنه بات من الصعب تصوّر الحياة على الجانب الآخر من الانقسام أو تصميم السياسات من منطلق المصلحة المشتركة.

فالأثرياء ناجحون بشكل خاص في منع التغييرات التي لا يحبونها.  وقد حسب العلماء السياسيون مارتن جيلينز من جامعة كاليفورنيا ولوس أنجلوس وبنيامين بيج من نورث ويسترن، أنه بين عامي 1981 و2002، فإن السياسات المدعومة بنسبة 80 في المئة على الأقل من الناخبين الأثرياء قد تم تمريرها إلى القانون بنسبة حوالي 45 في المئة، في حين أن السياسات التي عارضها ما لا يقل عن 80 بالمائة من هؤلاء الناخبين تم تمريرها إلى القانون بنسبة 18 بالمائة فقط. والأهم من ذلك، أن آراء الناخبين الفقراء والطبقة المتوسطة لم يكن لها تأثير يذكر.

إن هشاشة مجتمعنا وحكومتنا هي نتاج قرارات متعمدة. وقد تم بناء دولة الرفاهية الحديثة على ثلاث موجات عظيمة، جسدت هذه السياسات تصوراً واسعاً عضلياً/غير عقلاني للحرية: فلابد وأن توفر هذه الحكومة الحرية التي تأتي من حياة مستقرة ومزدهرة لكل الأميركيين. قال روزفلت للأمة عام 1944: “لقد توصلنا إلى إدراك واضح لحقيقة أن الحرية الفردية الحقيقية لا يمكن أن توجد دون الأمن الاقتصادي والاستقلال”.

بالطبع، لم يتحقق الهدف بالكامل أبدًا، لكن منذ أواخر الستينيات، تخلت الحكومة الفيدرالية عن المحاولة إلى حد كبير. وكان الاتجاه المحدد في السياسة العامة الأمريكية هو تقليص دور الحكومة كضامن للحرية الشخصية.

يدّعي مؤيدو التصور البسيط للحكومة أنهم مدافعون عن الحرية، لكن تعريفهم تعريف ضيق وسلبي للحرية: أي التحرر من الواجب المدني، ومن الالتزام المتبادل، ومن الضرائب. وفي الواقع، أدت هذه النظرة الفقيرة للحرية إلى حماية الثروة والامتياز. وأدى هذا إلى إدامة أشكال التفاوت العرقي التي تحدد البلاد، وأبقى الفقراء محصورين في براثن الفقر، وكذلك أطفالهم، وأحفادهم.

كان أحد أهم جوانب هذا التراجع هو دور الحكومة في بناء مشهد سكني جديد للمجتمعات المنعزلة اقتصادياً وعرقياً. وقامت الحكومة ببناء طرق سريعة تنقل العائلات البيضاء إلى أحياء جديدة في الضواحي حيث لا يُسمح للأقليات بالعيش في كثير من الأحيان؛ وتقديم قروض الرهن العقاري التي لم يُسمح للأقليات بالحصول عليها؛ وحتى بعد الإعلان الصريح عن أن التمييز يعدّ أمراً غير قانوني، فإن قوانين تقسيم الأسرة الواحدة وفق مناطق سكنية لا تزال تستبعد الأسر ذات الدخل المنخفض، لا سيما الأقليات.

وقد ربط صناع القرار السياسي تمويل الخدمات العامة برخاء المجتمعات الجديدة، وباركت المحكمة العليا هذه الممارسة في باركت المحكمة العليا هذه الممارسة في حكم عام 1973، في قضية مقاطعة سان أنطونيو المستقلة للمدارس ضد رودريجيز، الذي سمح بالاختلافات في تمويل المدارس على أساس الاختلافات في قيم الملكية المحلية. والنتيجة كانت استبدال الفصل الاقتصادي بالفصل العنصري صراحةً.

وبالمثل، قامت الحكومة بتمكين الانقسامات المتزايدة في مكان العمل، ومع تحول الاقتصاد من التصنيع إلى الخدمات، قاومت الشركات – بمساعدة الكونغرس والمشرعين المحليين – نقابة الوظائف الجديدة بنجاح. كما رفضت الحكومة الاستعاضة عن العمال المنظمين باعتبارهم حامي العمال في القطاعات المزدهرة مثل تجارة التجزئة والرعاية الصحية.

ولم يكن مطلوباً من الشركات أن تزود الموظفين بإعانات أساسية مثل الإجازات المدفوعة الأجر، كما مُنحت لهم الحرية في الادعاء بأن العديد من العاملين بدوام كامل كانوا في واقع الأمر مقاولين. وكانت القوة الشرائية للحد الأدنى للأجور الفيدرالية قد بدأت بالانخفاض منذ عام 1968.

كما ألحق التحول في سلوك الشركات الضرر بالعمال. واحتشد العديد من قادة رجال الأعمال حول مفهوم ضيق لمسؤولية الشركات، زاعمين أن الالتزام الوحيد الذي يقع على عاتق أي شركة كان تعظيم عائدات المساهمين. وقد أيد صناع السياسات هذا التحول، وخاصة بكتابة هذا التعريف الضيق لقوانين ديلاوير، حيث تحافظ العديد من الشركات الكبرى بمساكن رسمية.

وكانت النتائج واضحة بالقدر الكافي: فقد ارتفعت الأجور التنفيذية إلى عنان السماء، واستمتع حملة الأسهم بارتفاع أسعار الأسهم، على الأقل حتى وقت قريب، في حين تخلف أغلب العمال عن الركب. ولو كان الدخل الفردي يواكب معدل النمو الاقتصادي الإجمالي منذ عام 1970، فإن الأميركيين من أصل 90 في المائة من توزيع الدخل سوف يحصلون على 12 ألف دولار إضافية سنوياً في المتوسط. وفي الواقع، فإن الزيادة الشديدة في عدم المساواة تعني أن كل عامل في الطبقة الدنيا التي تشكل 90% من توزيع الدخل يُرسل شيكاً سنوياً بقيمة 12000 دولار للعامل في الطبقة العليا التي تمثل 10%.

إن إضفاء الطابع المثالي على العمل الفردي في سوق مفتوحة كان له صورة طبق الأصل في تشويه العمل الجماعي من خلال الحكومة. الولايات المتحدة لا تضمن توفير المساكن بأسعار معقولة لمواطنيها، كما تفعل أغلب الدول المتقدمة. وهي لا تضمن الحصول على الرعاية الصحية على نحو يمكن الاعتماد عليه، كما تفعل كل الدول المتقدمة الأخرى تقريباً. كما أن تكلفة التعليم الجامعي في الولايات المتحدة تعدّ من بين أعلى التكاليف في العالم المتقدم. وبعيداً عن الطبيعة البدائية لشبكة الأمان الأميركية، فقد تراجعت الحكومة عن الاستثمار في البنية الأساسية والتعليم والبحوث العلمية الأساسية، وهي اللبنات الأساسية لتحقيق الازدهار في المستقبل. وليس من المستغرب أن يفقد العديد من الأميركيين الثقة في الحكومة كأداة لتحقيق الأهداف التي لا نستطيع أن نحققها بمفردها.

والواقع أن التسلسلات الهرمية في البلاد تظهر بشكل صارخ خلال فترات الأزمة. وقد استلزم وباء الفيروس التاجي تضحيات غير عادية، لكن التوزيع غير متكافئ إلى حد كبير. وقد قدم الأثرياء والمشاهير والأقوياء سياسياً أولى المطالبات بقوارب النجاة المتاحة:  حصل السناتور ريتشارد بور من نورث كارولينا وكيلي لوفلر من جورجيا على ثرواتهم الخاصة من خلال بيع حيازات الأسهم مع انتشار الفيروس في يناير وفبراير، حتى أثناء طمأنتهم للأمة بأن كل شيء سيكون على ما يرام؛ ونشر الملياردير ديفيد جيفن على إنستغرام أنه خطط للتغلب على الأزمة على يخته البالغ طوله 454 قدماً، رايزينج صن، مضيفاً: “آمل أن يبقى الجميع في أمان”؛ وضغطت الشركات الكبيرة بنجاح ضد اقتراح لتوفير إجازة مرضية مدفوعة الأجر لكل عامل أمريكي، مدعية عدم قدرتها على تحمل التكاليف.

وسيتحمل الأميركيون الأقل ثراءً العبء الأكبر في الصحة والثروة، وهم بالفعل يعانون بشكل غير متناسب من أمراض العمالة مثل الرئة السوداء وسرطان المسثليوما/ ورم الظهارة المتوسطة، وأمراض الفقر مثل السمنة والسكري؛ ووباء الأفيون الذي انتشر في المجتمعات حيث فرص العمل قليلة.. ووفقاً لأحد التقديرات، فإن هذه الأنماط من سوء الصحة تعني أن من هم في أسفل نطاق الدخل هم أكثر عرضة للوفاة بمرتين بفيروس كورونا. والكثير يفقدون وظائفهم، وأولئك الذين لا يزالون يعملون بشكل عام لا يمكنهم القيام بذلك وهم يجلسون على الأريكة في غرفة المعيشة، إنهم يخاطرون بحياتهم من أجل الحصول على ضروريات الحياة.

الأطفال، الذين هم في مأمن نسبياً من الفيروس التاجي نفسه، هم في خطر خاص من التداعيات الاقتصادية. وتعد المدارس العامة واحدة من أعظم قوى المساواة في الحياة الأمريكية؛ إن التحول إلى التعلم عبر الإنترنت يعني أن المتباينات القائمة تشكل أهمية أكبر. والملايين من الأطفال يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى الإنترنت بشكل موثوق. وقد وجد مدير المدرسة الثانوية في فينيكس أن ثلاثة طلاب يتجمعون تحت بطانية خارج المبنى في يوم ممطر، من أجل استخدام شبكة الإنترنت الخاصة بالمدرسة لإكمال واجباتهم المدرسية المطلوبة لأنهم لم يتمكنوا من تسجيل الدخول من منازلهم.

ويظهر البحث أن تأثير الصدمات الاقتصادية في الطفولة هو تأثير طويل الأمد. فأطفال الآباء الذين يفقدون عملهم، على سبيل المثال، ينتهي بهم الأمر إلى الحصول على دخل أقل طوال حياتهم الخاصة.كما كشفت الأزمة عن افتقار الحكومة الفيدرالية إلى الموارد والكفاءة والطموح، فالحكومة فشلت في احتواء الفيروس من خلال برنامج الاختبار والحجر الصحي المستهدف، وهي تكافح من أجل تزويد الدول بالمعدات الطبية اللازمة لمساعدة أولئك الذين يصابون بالمرض؛ وبدلاً من التحرك بقوة أكبر لاحتواء الضرر الاقتصادي، فقد سمحت الحكومة الفيدرالية للشركات بتسريح ملايين العمال. ومن المرجح أن معدل البطالة في الولايات المتحدة قد وصل بالفعل إلى أعلى مستوى له منذ الكساد العظيم.

ومن بين الأسباب الرئيسية وراء الاستجابة المتعثرة، التوقع الخيالي بأن الأسواق ستؤدي عمل الحكومة. وكان البيت الأبيض يرفض في معظم الأحيان تفويض أو تنسيق إنتاج الإمدادات الطبية الحرجة. والواقع أن الحكومة الفيدرالية كانت تسعى إلى الحصول على الإمدادات المتاحة من الولايات وشجعت الولايات على المزايدة ضد بعضها الآخر. إنه احتضان للأسواق لدرجة أن هذا قد يبدو هزلياً إذا لم ينتج عنه وفيات غير ضرورية.

من المؤكد أن عمل الشركات والعمل الخيري لهما مكانهما، لا سيما على المدى القصير، نظراً لقيادة الرئيس ترامب المتعثرة والوضع المتعثر للحكومة التي يرأسها. لكنها بدائل فقيرة لإدارة فعالة من جهة المؤسسات العامة. إن ما تحتاجه أمريكا هو وجود حكومة عادلة وناشطة. وطبيعة الديمقراطية هي أننا مسؤولون معاً عن إنقاذ أنفسنا.

يتعين على الأميركيين أن يستعيدوا حالة التفاؤل التي غالباً ما كانت تضيء الطريق قُدماً إلى الأمام. إن بوتقة الأزمة توفر الفرصة لصياغة مجتمع أفضل، ولكن الأزمة ذاتها لا تؤدي المهمة نفسها. إن الأزمات تكشف عن المشاكل، ولكنها لا توفر البدائل، ناهيك عن الإرادة السياسية. كما أن التغيير يتطلب الأفكار والزعامة، وكثيراً ما تمر الدول بنفس النوع من الأزمات مراراً وتكراراً، إما أنها غير قادرة على تصور مسار مختلف أو أنها غير راغبة في السير على هذا المسار.

غالباً ما تحدث أسوأ الأزمات في ظل زعامة ضعيفة؛ وهذا يشكل جزءاً كبيراً من كيفية خروج المشكلة الأولية عن السيطرة. وقد كان لدى الأمريكيين كل أسباب اليأس من قدرة الرئيس جيمس بوكانان على قيادة الأمة خلال حرب أهلية، أو من قدرة الرئيس هربرت هوفر على قيادة الأمة للخروج من الكساد العظيم. والآن، وكما كانت الحال آنذاك، أصبحت البلاد مثقلة بالقيادات الضعيفة ـ وهي تتمتع بالفرصة للاستعاضة عن تلك الزعامة، كما فعلت في عامي 1860 و1932.

هناك أيضاً حاجة لأفكار جديدة، ولإحياء الأفكار القديمة، حول ما تدين به الحكومة لمواطني البلاد، وما تدين به الشركات للموظفين، وما ندين به لبعضنا الآخر.

إن حجم استجابة الحكومة للأزمة، والذي بلغ عدة تريليونات من الدولارات للأزمة، رغم كل عيوبها وأوجه قصورها، إنما يذكّرنا بقوة بأنه لا بديل عن دولة ناشطة. وقد لاحظ العالم السياسي فرانسيس فوكوياما أن الدول التي تتغلب على جائحة الفيروس التاجي على أفضل وجه هي دول مثل سنغافورة وألمانيا، حيث توجد ثقة واسعة بالحكومة – وحيث تستحق الدولة هذه الثقة. ويتمثل جزء هام من مشروع إعادة بناء أمريكا بعد الأزمة في استعادة فعالية الحكومة وإعادة بناء ثقة الجمهور بها.

سيكون الاستثمار الرئيسي في الصحة العامة مكاناً مناسباً للبدء. ولكن المشروع الأكبر يتلخص في زيادة مرونة المجتمع الأميركي. فقد أعطت أجيال من صناع القرار السياسي في الاتحاد الأولوية للسعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي مع قدر ضئيل من الاهتمام بالاستقرار أو التوزيع. وتتطلب هذه اللحظة استعادة الالتزام الوطني بتصور أكثر ثراء للحرية: الأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص. ولهذا السبب تنشر صحيفة تايمز هذا المشروع على مدى الشهرين المقبلين، لكي نتصور كيف يمكننا تحويل أميركا حالياً إلى أميركا التي نحتاجها.

كان الغرض من الحكومة الفيدرالية، كما كتب لينكولن إلى الكونغرس في الرابع من تموز 1861، “رفع مستوى أحوال الرجال، ورفع الأعباء الاصطناعية عن كاهل الجميع، ومنح الجميع بداية غير مقيدة وفرصة عادلة في سباق الحياة”. وكان قانون المساكن/ هومستيد على وجه الخصوص خطوة ملموسة في ذلك الاتجاه: 10 في المائة من جميع الأراضي في الولايات المتحدة تم توزيعها في نهاية المطاف على 160 فداناً من قطع الأراضي.  لكن مفهوم لينكولن عن “الجميع” لم يشمل الجميع: فقد استند قانون المساكن إلى مصادرة أراضي الأمريكيين الأصليين. وقد شارك روزفلت رؤية لينكولن للحكومة، لكن الصناعة حلت محل الزراعة باعتبارها المصدر الأساسي للرخاء والازدهار، ولذلك فقد ركّز على ضمان توزيع أكثر إنصافاً لمخرجات التصنيع في البلاد – على الرغم من معاملة الأمريكيين من أصل أفريقي كمواطنين من الدرجة الثانية في العديد من برامج الصفقة الجديدة.

إن الولايات المتحدة اليوم بحاجة إلى اتخاذ تدابير جديدة من أجل دفع كل الأميركيين إلى المشاركة في الاقتصاد الحديث.ولإعطاء الأمريكيين فرصة عادلة في سباق الحياة، يجب على الحكومة أن تبدأ منذ الولادة. يجب على الولايات المتحدة استعادة الحقيقة الجوهرية لقرار المحكمة العليا الأساسي في قضية براون ضد مجلس التعليم: طالما أن الأميركيين معزولون، فإن فرصهم لا يمكن أن تكون متساوية أبداً. ومن أهم الخطوات التي يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة لضمان حصول جميع الأطفال على فرصة للازدهار، هي تدمير وإزالة الأنماط الدائمة للفصل العنصري والاقتصادي. فقوانين المناطق التي تحد من التنمية السكنية في المناطق التي توجد فيها وظائف جيدة بكثرة، تعد واحدة من أهم العوائق الهيكلية أمام قيام دولة أكثر تكاملاً.

وعلى مدى هذا المشروع، سندرس سبلاً أخرى لتحقيق تكافؤ الفرص في وقت مبكر من الحياة، واستعادة توازن القوى أيضاً بين أصحاب العمل والعمال بشكل أكثر صحة.ومن بين الدروس الأكثر وضوحاً لهذا الوباء أن العديد من أصحاب العمل لا يشعرون إلا بقدر ضئيل إلى حد مذهل من الالتزام بحماية صحة ورفاهية العاملين لديهم، ولم يعد العمال يملكون إلا أقل القليل من الوسائل لتنظيم أو مقاومة هذا الوباء. فشركة أمازون، وهي واحدة من أكبر أرباب العمل في البلاد، أقالت عاملاً يحتج على شروط السلامة في مستودعات الشركة على أساس أورويليان بأن احتجاجه كان في حد ذاته يشكل خطراً على السلامة. وأصدر أحد المديرين في مركز اتصال يولاين/ Uline تعليماته إلى الموظفين بعدم إخبار الزملاء ما إذا كانوا لا يشعرون بشكل جيد لأنه قد يتسبب في “حالة من الذعر غير الضروري”.

والواقع أن شبكة الأمان الاجتماعي المهترئة في البلاد بحاجة ماسة إلى التعزيز. والأميركيون بحاجة إلى الحصول على الرعاية الصحية على نحو يمكن الاعتماد عليه. الأميركيون بحاجة إلى خيارات ميسورة التكلفة لرعاية الأطفال ورعاية كبار السن من أسرهم، وهي أزمة متنامية في دولة تعاني من الشيخوخة السكانية. ولا ينبغي لأحد، وخاصة الأطفال، أن يشعر بالجوع على الإطلاق. فكل شخص يستحق مكان للاتصال بمنزله.

قبل أكثر من عقد بقليل، عاش الأمريكيون نوعاً مختلفاً جداً من الأزمات – وهو الانهيار المالي – الذي كشف عن أوجه ضعف مماثلة في المجتمع الأمريكي. وكان رد الحكومة غير كاف. وكان التعافي لا يزال جارياً عندما وصل الفيروس التاجي، وجزئياً لأن التعافي جاء ببطء شديد، وقد فشل قادة أمريكا السياسيون في الاستفادة من السنوات الفاصلة للتحضير لحتمية إجراء اختبارات جديدة.

إن الأمة لا تستطيع أن تتحمل تكرار الأداء، لا سيما أن التحديات الأخرى التي تواجه مجتمعنا تلوح في الأفق، والأهم من ذلك كله ضرورة إبطاء الاحتباس الحراري العالمي.أمام الولايات المتحدة فرصة للخروج من هذه الأزمة الأخيرة كدولة أقوى وأكثر عدلاً وحرية وأكثر مرونة، وعلينا أن نغتنم هذه الفرصة.

 

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا