قد لا يضيف الحديث عن صفة «الصراحة» لدى الرئيس الأسد الكثير لكل من عرفها فيه عن قرب أو بعد، إلاّ أن من تابع حواره مع قناتي السورية والإخبارية السورية أمس سيدرك أن الصراحة التي طبعت حديثه ليست مجرد صفة في شخصيته، بل غاية ينشدها، وهدف يسعى إليه.

ربما كان الكثير من السوريين سيتفهمون ابتعاد الرئيس الأسد عن الأجوبة الصريحة والمباشرة لو فعل، وقد يجد العديد من المحبين داخل سورية وخارجها مبرراً إن فعل الرئيس ذلك، خصوصاً في ظرف معقد وضاغط كالذي تمر به سورية، حيث تزدحم الملفات، وتتشابك حدودها وتأثيراتها.

ومن الطبيعي أن أي رئيس آخر لا يواجه جزءاً يسيراً من الضغوط التي يواجهها الرئيس الأسد، كان سيجد نفسه أمام أربعة خيارات لن يحيد عنها دون شك:

  • أن يهرب من الظهور الإعلامي من أساسه، ويقلل من أحاديثه وتصريحاته.
  • أن يكثر من الظهور الإعلامي الشكلي المرتب مسبقاً، بما يسمح له بتجاهل أي خوض في الأسئلة أو الملفات الشائكة.
  • أن يقارب الملفات الصعبة، ويجيب على الأسئلة الملحة، لكن من بعيد، وبحديث مبهم يقول كل شيء دون أن يقول شيئاً في واقع الحال.
  • أن يكذب.

فكيف بالرئيس الذي تُسلط وسائل الإعلام المعادية لسورية عيونها وآذانها على كل حرف وكلمة وإيماءة منه، لتبني عليها، ولتستثمر داخلياً وخارجياً في كل عنوان يقاربه، أو كل سؤال سياسي أو اقتصادي أو ميداني يتناوله؟!

إلاّ أن الرئيس الأسد لا يكذب، ولا يجامل، ولا يهرب ولا يتهرب، بل يمضي إلى الصراحة التي تعود عليها مع السوريين منذ تسلمه مسؤولياته رئيساً لسورية، وترسخت منذ أول يوم في هذه الحرب عنواناً لعلاقة فيها من الحب، بقدر ما فيها من الاحترام والثقة والصدق.

ولم يكن ترحيب الرئيس الأسد المقتضب جداً بمحاورَيه في بداية الحوار أمس، والاستعجال إلى حثهما وتشجيعهما على «الصراحة الكاملة»، إلا تعبيراً عن ذلك الاحترام الذي يكنُّه الرئيس الأسد لشعبه، ولمقام المسؤولية التي أولاه إياها السوريون في أصعب مرحلة تمر بها سورية في تاريخها الحديث. وكان سعي الرئيس الأسد بنفسه إلى الصراحة، وإلى حوار لا مكان ولا وقت فيه للمجاملات، تجسيداً لقناعة راسخة لديه أن أفضل ما يقدمه لشعبه في مثل هذه الظروف حوارٌ صريحٌ وشفاف – كالذي حصل – وأجوبةٌ تحترم عقول ملايين السوريين الذين تسمَّروا ليتابعوا ويسمعوا على مدى ساعة و34 دقيقة من الزمن حديثاً من القلب إلى القلب، ومن العقل إلى العقل.

والشفافية التي تحدث عنها الرئيس الأسد مراراً وتكراراً، وشدَّد عليها في أكثر من مناسبة أمام الحكومة ووزرائها، لم تكن مجرد عنوان حديث للرئيس، أو موضوع اجتماعٍ تقليدي.. بل كانت فعلاً سبق الجميع إليه، وسلوكاً جسَّده فكان القدوة والنموذج فيه، ومفردةً نقلها وانتقل بها من كونها مجرد صفة شخصية وخاصة، إلى أن تكون أساساً ومنهجاً في العمل العام..

لا يملك الرئيس بشار الأسد طبعاً «حجر الفلاسفة» ولا «إكسير الحياة»، ولا عقاراً أسطورياً قادراً على منح الديمومة والخلود لعلاقته بشعبه، وعلاقة شعبه به رغم كل ما اجتمع عليها من صنوف الكذب العالمي، وسموم الدعاية الغربية، ورغم كل ما حُشد واستُأجر من أصواتٍ وأقلام ونفوس ضعيفة لتلك المهمة من داخل سورية وخارجها .. لكنه يملك «إكسير الصدق» الذي فُطِر عليه فعلاً وقولاً، والذي كان له وحدَه أن يحمي ويحصّن تلك العلاقة، ويحولّها إلى علاقة تبدو أسطورية بالفعل، ومليئةً بالأسرار، وعصيةً على التفسير في عقول أعداء سورية الذين اجتمعوا فيها في حرب دمّرت كل شيء في سورية إلاً نسيج تلك العلاقة المتينة والأزلية..

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا