أن تكون قومياً عربياً من فلسطين، في فلسطين، في زمن الردة عن المشروع القومي، هو حِملٌ لا يقوى عليه إلا من أمسك قلبُه بالعروة الوثقى بين فلسطين وعروبتها، أما أن تقوى على الوقوف في فلسطين كجبل قاسيون أو كجبل النار، بلا قدمين، في زمن الهجمة الضارية على سورية، في وجه الجهل والتضليل الذي اجتاح الملايين في الشارع العربي، فيما تخوض في الآن عينه معركة الدفاع عن عروبة فلسطين ومشاريع التسوية مع العدو الصهيوني، فذلك ينمّ عما اجترحه قلبٌ وَفَى لحبِه القومي العربي مهما غلا الثمن، لا بل، بلا تفكيرٍ بالأثمان.

هو لا يُختزل بانتمائه الحزبي البعثي الأول، بعد أن خرج من البعث ولم يخرج البعث منه، ولا بموقعه القيادي المتقدم في النضال الفلسطيني الذي دفع ثمنه لحماً ودماً وصبراً، لأن سرَّه أولاً وأخيراً كان ضميره القومي العربي الذي دفعه إلى هذا وذاك، فالقومية العربية ضميره الظاهر والمستتر، ضميره المتكلم في حياته، وضميره الغائب الحاضر من قبل ومن بعد رحيله، وهو الذي سعى بكلماتٍ من لحمٍ ودم، وبدماء كالكلمات، أن يوقظ فينا ضمير المُخاطب.

فالمناضل القيادي بسام الشكعة هو ضميره، وعلى ذلك العماد انتصب نضالاً وعطاءً لا يميل ولا يحيد، حتى عندما دفعه ذلك أحياناً لمخالفة من اعتبرهم مرجعيته إبان الإنفصال بين مصر وسورية، ثم خلال العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991. وهم احترموا ذلك فيه، وأوفوه حقه وحق نضاله من بعدها، وهو لم يفجر في الخصام، لأنه كان مبدئياً، لا منافقاً، وهم كانوا يعرفون كيف يميزون بين المبدئيين والمنافقين في الاتفاق والشِقاق.

أن تكون قومياً عربياً في زمن الردة يعني أن تكون وفياً لجبل النار ولجبل قاسيون، ولكلِ ما امتد بينهما وحولهما من ألفياتٍ وفلواتٍ ملأتها الضادُ عروبةً وتراجيعَ لطالما تمزقت بين الأباطيل والبطولات.

أن تكون قومياً عربياً في زمن الردة يعني أن تكون وفياً لفلسطين، لعروبتها منذ كنعان الأول، لزيتها وزعترها، ولحقّها وواجبها في أن تنفض عن كل حبةٍ من ترابها دنسَ المحتل، وفي أن تُشهر حجرَها وخنجرَها وبارودها في وجه المحتل الغاصب من النهر إلى البحر، فهذا هو الخيار الذي لا خيار سواه، خيار الميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل، وخيار رفض التسويات مع العدو الصهيوني، من حيث المبدأ، وكما تمظهرت في أوسلو وأخواتها وملحقاتها ورموزها واستحقاقاتها، وكما واجهها أبو نضال على الأرض ضد الصهيونية وضد من انحنوا أمامها.

أن تكون قومياً عربياً في زمن الردة يعني أن تكون وفياً لنهج المؤسسين الأوائل الذين لا يتقلبون مع الرياح الموسمية، ولا تضيع بوصلتهم، ولا يبحثون عن مواقع ولا يخافون من المواجهة، ولا يترددون بالذوبان في العروبة وفلسطين مهما عصفت الرياح الصفراء.

على حبل الحب الممتد بين جبل النار وجبل قاسيون خَفَقَ القلبُ عروبةً منذ لحظة الوعي الأولى إلى أن توقف عن الحفقان… فرحمك الله يا أبا نضال، وأدخلك فسيح جنانه، وتعازينا باسمي واسم رفاقي في “لائحة القومي العربي” لعائلة الراحل الكبير ورفاقه، وإنا مع ذكراك على نهج العروبة وفلسطين لباقون.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا