منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي حصلت في تركيا عام 2016 ضد نظام أردوغان، يسود اعتقاد لدى بعض المحللين السياسيين المختصين بالشأن التركي، بأنّ مسألة ترويض ولجم جماح المؤسسة العسكرية التركية انتهت بحملة الاعتقالات الواسعة في صفوف ضباط وأفراد تلك المؤسسة.

ولكن ورغم قوة تلك الحملة ونتائجها الملموسة في تصفية المؤسسة العسكرية من الكوادر المناهضة لسياسة ونهج حزب العدالة والتنمية الإخونجي، إلاّ أن الحقيقة تقول بأنّ تلك الحملة أو السلسلة الطويلة من حملات الاعتقال ليست إلا خطوة واحدة من خطوات رئيس النظام التركي رجب أدوغان في إبعاد الجيش التركي وإنهاء وصايته التاريخية على علمانية البلاد.

بالعودة إلى الوراء قليلاً وتحديدا إلى عام 2016 يُلحظ بأنّ المؤسسة العسكرية التركية ومنذ ذلك التاريخ باتت منشغلة بلا انقطاع في حروب خارجية لا تعود عليها إلا بالخسائر المادية والبشرية.. تارة في الشمال السوري وتارة أخرى في الشمال العراقي وعمليات عسكرية لا تنتهي في جنوب شرق البلاد بحجة مكافحة الإرهاب!

واللافت في جميع تلك الحروب والعمليات العسكرية بأنّها عشوائية لا تحمل أجندة محددة، ولا تعكس أبداً المستوى العسكري والتكتيكي لجيش كبير يصنف بأنه ثاني أكبر جيوش حلف الناتو!

وتشير كل المعطيات الميدانية والسياسية  إلى صحة القراءة التي توصّل إليها الكثير من المحللين العسكريين الأتراك والأجانب والتي تقول بأنّ رئيس النظام التركي رجب أردوغان لا يريد نصراً عسكريا ولا تسوية سياسية توقف الانشغال العسكري، إنما يريد تشتيت جيشه وإلهائه بمعارك ميدانية لغاية عام 2023، وهو العام الذي ينوي فيه أردوغان اتخاذ قرارات مصيرية من خلال الانقلاب على معاهدة “لوزان” بعد مرور مائة عام على توقيعها، ليتوج نفسه بطلاً بعيون الأتراك ويصبح قدوة لهم بدلاً من عدّوه اللدود “مصطفى كمال أتاتورك” الذي لم يستطع إلى حد الآن أن يحل محله لا من خلال ارتداء الزي العسكري ولا حتى بالتعديل الدستوري.

ولأجل تحقيق ذلك الهدف يجب الإبقاء على حالة التشتت والانشغال التي تعيشها المؤسسة العسكرية التركية التي تلقب باسم “حارس الجمهورية” وحامية مبادئ أتاتورك وميراثه السياسي، إذ أنّ إرسال القيادات العسكرية إلى الخارج وتكليفها بمهام قتالية، كفيل ببقائها بعيدة عن مركز القرار وبالتالي بعيدة عن الحياة السياسية وعن التفكير بأي محاولة انقلابية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا