جسدت معركة ميسلون بقيادة البطل يوسف العظمة ملحمة وطنية شكلت منعطفاً في تاريخ النضال والمقاومة في سورية فكانت القاعدة الصلبة لإنجاز الاستقلال ودحر المحتل الفرنسي عن أرض الوطن وتحقيق الجلاء.

الملحمة التاريخية في الرابع والعشرين من شهر تموز عام 1920 والتي تحل اليوم ذكراها الـ 99 أسست لمرحلة جديدة من النضال الوطني ضد الغزاة والمستعمرين، وأججت الشعور الوطني، وعكست ارتباط الجندي العربي السوري بأرضه ووطنه واستعداده لبذل روحه ودمه في سبيل كرامة سورية وعزتها وحريتها واستقلالها، مظهرة للعالم أجمع إرادة ذلك الجندي في مقاومة المحتل وردّه على أعقابه مهما كلف ذلك من تضحيات، ومهما تعاظمت قوة المحتل وجبروته.

وفي يوميات معركة الشرف والإباء، حيث يسجل التاريخ في صفحاته مقاومة الشعب السوري لكل محتل مرّ، أو حاول المرور على أرض وطنه، وهذا ما كان في عام 1920 حين أعلن السوريون رفضهم إنذار غورو لفرض الانتداب الفرنسي على الشعب السوري وحلّ الجيش الوطني، فما كان من وزير الحربية آنذاك يوسف العظمة ورفاقه والمتطوعين إلا الإسراع لمواجهة هذا الإنذار بكل بسالة وشجاعة، واتجهوا إلى ميسلون لمجابهة القوات الفرنسية الغازية التي تحركت باتجاه دمشق برغم معرفة البطل العظمة بعدم تكافؤ القوى مع المستعمر الفرنسي المدجج بأعتى أنواع الأسلحة.

المعركة الخالدة أسفرت عن استشهاد البطل العظمة وعدد كبير من المقاتلين بعد أن سطروا أروع ملاحم البطولة والتضحية فداء للوطن، إذ أراد البطل يوسف العظمة ورفاقه المناضلون من معركة ميسلون أن يحفظوا هيبة تاريخ سورية المقاوم، كما أرادوا أن يسجلوا موقفاً أمام الشعب السوري نفسه بأن جيشه حمل لواء المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي منذ اللحظة الأولى، وأن ذلك سيكون نبراساً لهذا الشعب في مقاومته للمحتل ليهتدوا بهديه.

معركة ميسلون لم تكن متوازنة من حيث العدد والعديد مع القوات الغازية، لكنها أثبتت بأبطالها أن المقاومة تعد الأسلوب الأنجع في مواجهة المحتل، وأن السوريين لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يتخلوا عن إرادتهم الوطنية وتمسكهم باستقلالهم ووحدة أراضيهم وحريتهم، أو ينصاعوا لإرادة الغازي.

كما وضعت تلك المعركة الخالدة في تاريخ سورية الجنرال غورو أمام حقيقة راسخة أنه لا يمكن كسر إرادة الشعب السوري، إذ تحولت هذه المعركة إلى شرارة أشعلت المقاومة في وجه المحتل الفرنسي في كل أرجاء سورية لتحقيق جلاء المستعمر الفرنسي عنها عام 1946 بعد حقبة من النضال الطويل والمشرف، تحولت خلاله معركة ميسلون إلى أسطورة في التحدي والإصرار على دحر المعتدين وإلى ردّ مدوٍ على أطماع الغزاة الفرنسيين في سورية من خلال التضحيات العظيمة لرجالات الجيش والمتطوعين من الشعب السوري.

ويستلهم اليوم الشعب السوري ورجال جيشه الوطني قيم ومعاني ودلالات معركة ميسلون من خلال خوضهم أشرس معركة عرفها التاريخ في مواجهة تنظيمات إرهابية مدعومة من الغرب الاستعماري وكيان الاحتلال الإسرائيلي وأنظمة الخليج وتركيا، ليثبتوا للعالم بأن سورية ستبقى كما كانت وفية لمبادئ رجالاتها وقادتها العظام الذين لم يفرطوا يوماً بالأرض، أو يساوموا على ذرة تراب واحدة، وأن النصر حليفها على الدوام بفضل تضحيات أبطالها منذ فجر تاريخها إلى يومنا هذا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا