بقلم إريك فان دي بيك | «المجلة الديبلوماسية» الأقدم في هولندا.

 

ترجمة سيريا تودي

هجوم الغاز السام المزعوم في مدينة دوما السورية في أبريل 2018 غالبا تم فبركته حسب فريق فرعي هندسي تابع لبعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في سورية في تقرير غير منشور تم تسريبه.

في 14 أبريل 2018، شنت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا العظمى هجوماً صاروخياً على سورية، انتقاما من الهجوم المزعوم للغاز السام على دوما معقل الإرهابيين والذي حمّلوا الحكومة السورية المسؤولية عنه. وقبل الهجوم مباشرة، حذر السفير الروسي في لبنان ورئيس الأركان العامة لروسيا أن الأخيرة سترد على الضربة الأمريكية على سورية فيما لو تم تعريض القوات الروسية العاملة للخطر، وذلك عبر استهداف الصواريخ والقاذفات المنخرطة في العمل العسكري.

 

وما كان يمكن للأمر أن ينتهي في حرب عالمية ثالثة انتهى في واقع الأمر إلى صفير استهجان حول تفاهة العملية. لم يتم مهاجمة أي أهداف روسية، وبالنسبة للسوريين كانت الأضرار محدودة حيث اعترضت أنظمة الدفاع الجوي السورية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية العديد من الصواريخ القادمة.

 

رسوخ الشك 

لا يزال من غير الواضح ما الذي حدث بالضبط في 7 نيسان 2018 في دوما. فحتى وقت قريب، كان يعتقد على نطاق واسع أن مروحية تابعة للجيش السوري ألقت إسطوانتين من الكلور على المدينة، في ذلك الوقت الذي كان يسيطر على المنطقة ما يعرف بـ «جيش الإسلام». تم العثور على الأسطوانات من قبل مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) على ترّاس سقف، وعلى سرير تحت فجوة في السقف.

 

المركبات العضوية التي تم جمعها من بيئة الحادثة تحتوي على مركبات مكلورة عضوية ويتسق ذلك مع فكرة إطلاق الكلور. والتقرير النهائي لبعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية خلص إلى أن “هناك أسباب معقولة تؤكد أن استخدام مادة كيميائية سامة كسلاح حصل بالفعل”، وأن الأسطوانات قد أسقطت من السماء. وعلى الرغم من أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تحدد من هو الجاني في التقرير، فإن ذلك كان من شأنه توريط الجيش السوري.

في أيار من هذا العام تم تسريب وثيقة داخلية من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وخلص المؤلف، إيان هندرسون، إلى أن “هناك احتمال كبير لكون كلتا الاسطوانتين قد وضعتا يديوياً في هذين الموقعين بدلاً من رواية إسقاطهما من طائرة”. يخلص التقييم الهندسي بناء على الأضرار على الأسطوانتين وعلى معطيات أخرى أن وضع الأسطوانات تم يدوياً. فعلى سبيل المثال، الثقب الموجود في السقف أصغر من الأسطوانة الموجودة في غرفة النوم أدناه.

غير مدرجة في التقرير النهائي

لم يتم تضمين نتائج هندرسون وفريقه الهندسي الفرعي في التقرير النهائي الصادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في الأول من آذار 2019. تم نشر نتائج الفريق الفرعي في الثالث عشر من «مجموعة العمل حول سورية .. الدعاية والإعلام (WGSPM)»، والتي تتكون بشكل رئيسي من الأكاديميين البريطانيين، ومنهم الأساتذة الجامعيين ديفيد ميلر، بييرس روبنسون، وبول ماكيجوي، الذين يقولون إنهم على اتصال بمبلغين عن المخالفات داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ويذكرون أن التقييم الهندسي قد تم إهماله عمدا.أكد المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن الوثيقة أصلية وأنها جزء من التحقيق وأنه قد تم التحقيق فيها.

هجوم كيميائي مفبرك؟

تقول مجموعة WGSPM البريطانية التي نشرت تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذي تم تسريبه إنه ثبت الآن “دون أدنى شك” أن الهجوم السام للغازات السامة في دوما قد تم فبركته، ليس فقط بسبب نتائج التقييم الهندسي لمنظمة OPCW ، ولكن أيضاً بسبب صور الأطفال في المستشفى، الذي قدمه إلى العالم ممثلو الخوذ البيض على أنه اعتداءات بالغازات السامة. ووفقًا لـ WGSPM ، لم يعد ثمة ما يدعو للشك في أن مشهد المستشفى قد تم فبركته.

غيوم من الغبار

التقى مراسل الشرق الأوسط البريطاني روبرت فيسك مع طبيب من المستشفى في 16 نيسان 2018. وذكر أن الفيديو الخاص بالخوذات البيضاء كان حقيقياً، وأن المرضى الذين تم تصويرهم كانوا يعانون من مشاكل في التنفس، لم تكن مشاكل التنفس تلك نتيجة هجوم بالغازات السامة بل عن غيوب غبارية نتيجة انفجارات وقعت في وقت سابق من ذلك اليوم. أثناء إحضار المرضى كان هناك عضو من ذوي الخوذ البيضاء ينادي بـ “الغاز!” – الأمر الذي أثار ضجة وجعل الناس ترش نفسها بالماء.

أكد الشهود الذين روا قصتهم في لاهاي في 28 نيسان 2018 في مؤتمر صحفي للوفد الروسي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقريباً ما جاء في مقابلة الدكتور التي أجراها فيسك. لم يقل أي من الشهود بمن فيهم العديد من الأشخاص الذين شوهدوا في شريط “الخوذات البيضاء”، أنهم لاحظوا أي شيء عن هجوم بغاز سام.

موت حقيقي

رغم ما سبق، فإن العديد من الصور ومقاطع الفيديو عرضت لقتلى في المبنى حيث تم العثور على واحدة من الأسطوانات. تم نشر هذه الصور على وسائل التواصل الاجتماعي يومي 8 و 9 أبريل 2018 حيث ويمكن رؤية 35 جثة. لم تقم OPCW بإجراء تشريح للجثة. تم دفن القتلى بالفعل قبل وصول المفتشين إلى دوما. وعلى الرغم من أن الباحثين في WGSPM يفترضون أن هؤلاء الأشخاص هم ضحايا غاز سام، إلاَّ أنهم لا يعتقدون أن أسطوانة المبنى السكني هي من سممتهم!

«في هجوم كيميائي حقيقي بالكلور أو بأي غاز مهيج آخر، يحاول معظم الضحايا الهرب، والحالات غير المميتة التي تتطلب علاجاً طويلاً في المستشفى ينبغي أن تفوق عدد الحالات المميتة»، تقول مجموعة WGSPM وتتابع: «تظهر صور الضحايا التي شوهدت في الموقع 2 أنهم تعرضوا بوضوح لغاز مهيج ولكنهم لم يتمكنوا من الهرب» وتضيف بأن هذه الصور تظهر أيضاً أنه تم تعليق الضحايا رأساً على عقب أثناء التعرض للغاز السام، مع عيونهم محمية على ما يبدو بشيء يشبه نظارات السباحة.

في مؤتمر صحفي تم في مقر السفارة الروسية في لاهاي في 12 تموز، تم عرض مقابلات لأشخاص يعيشون في المبنى الذي تم العثور فيه على 35 جثة، وأكدوا كلهمأنهم لم يتعرفوا على القتلى الذين ظهروا في الصور والفيديوهات المنشورة ما عدا شخص واحد قال إنه تعرف على شقيقه الذي قتل في قصف في مكان آخر. وأفاد بعض الشهود الذين تمت مقابلتهم أنهم شاهدوا مقاتلين ينقلون جثثاً إلى ذلك المبنى.

في أيار من هذا العام دعا كاتب هذا المقال منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية إلى التعليق على التقرير غير المنشور للفريق الفرعي الهندسي ، لكنه لم يتلق أي رد.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا