رأي سيرياتودي

بين أن تحتفي بك كل وسائل الإعلامية الغربية و تقدّمك مراكز وأحواض التفكير «ديبلوماسياً محترماً»، «خبير في شؤون الشرق الأوسط»، «أيقونة للموضوعية»، و «رمزاً للمهنية والمصداقية»، وأن تصوّب عليك كـ «يميني متطرف» أو «عميل لروسيا» أو «بوق من أبواق النظام السوري» أو «متبنٍ لنظرية المؤامرة» خيط رفيع يعرفه كل من يمارس الكتابة والعمل الفكري في جو «المكارثية» الغربية هذه الأيام، وخصوصاً حين يتعلَّق الأمر بسورية، وإصدار المؤلفات التي توثّق للسياسات والمؤامرات الغربية، والحرب الإرهابية الدائرة رحاها عليها منذ ثمان سنوات ونصف.

السفير الفرنسي المحنّك والمستشرق والديبلوماسي الجريء ميشيل رامبو – الحائز على جائزة مسابقة وزارة الخارجية الفرنسية عام 1975 – أصدر كتاباً بعنوان «حروب في سورية» يعتبر بحق أحد الأعمال المرجعية عن سورية، ليس بسبب وضوحه، ومباشرته، وتحليله البارع للأحداث في سياقاتها الموضوعية، لكن والأهم بسبب أسلوبه وجرأته ومباشرته التي تحدت وسائل الدعاية المكارثية في الغرب، ومجاهرته بالحقيقة كما هي، لا كما يقتضي «الخيط الرفيع»،ـو أصول مجاملة مؤسسات صنع الرأي العام والترويج للكتب.

كتاب رامبو المهم والذي استهلّه السفير الذي لا يزال رجل مبادئ وقناعات بعبارة الكاتب العربي نجيب محفوظ «إنهم يكذبون .. ويعرفون أنهم يكذبون .. ويعرفون أننا نعرف أنهم يكذبون .. ورغم ذلك يستمرون في الكذب أكثر فأكثر» أورد الكثير من الحقائق، وكشف عن خفايا إدارة الحرب الإرهابية على سورية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين وفي مقدمتهم فرنسا وبريطانيا الذين «.. فعلوا كل ما بوسعهم للقضاء على سورية ونموذج مجتمعها وهويتها كأمة عريقة، وضميرها الموغل في التاريخ.. أي كل ما تكرهه الأنظمة الظلامية وتريد سحقه مهما كان الثمن. حين انقضَّ أكثر من 60 بلداً على «الفريسة السورية» في إطار مجموعة «أصدقاء سورية» تحت الإدارة الأمريكية ودعموا المجموعات المسلَّحة ومن ضمنها «جبهة النصرة» بالتواصل مع الولايات المتحدة الأمريكية ووكالة الاستخبارات الأمريكية».

وتضّمن الكتاب الكثير من الوقائع والأسرار التي توثّق لدعم الغرب للإرهاب في سورية كتقديم شركة كاتربلر Caterpillar لآلات حفر الأنفاق لمساعدة الإرهابيين في الغوطة في حفر الأنفاق القادرة على استيعاب السيارات، وهي الشركة التي تم مكافأة أحد مدرائها جون هانتشمان بتعيينه سفيراً للولايات المتحدة الأمريكية في موسكو .. «إنه عالم صغير جداً» يعلّق رامبو.

ويتطرّق الكتاب للخلفيات العقائدية والإيديولوجية والمصالح الجيوسياسية والجيوستراتيجية وراء الحرب الإرهابية على سورية بدءاً من عقيدة نورثوودز Northwoods  التي تعني قتل المدنيين الأبرياء لتبرير تدخل عسكري على أساس إنساني، مروراً بعقيدة «الفوضى الخلاقة»، وعقيدة أوباما التي عنونها الكاتب بـ«إخفاء العقل» أي التلطي خلف الحليف الأوربي كما حصل في ليبيا، وليس انتهاء بـ«نظرية المجنون» التي انتشرت حين حاول الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الإيحاء لأعدائه في أوربا الشرقية بأنه زعيم لا يمكن التنبؤ بتصرفاته ونزوعه إلى التدمير، وذلك لكي يتوقفوا عن استفزازه.

ويذكر رامبو في كتابه أن مسؤولاً غربياً رفيع المستوى أسرَّ له قائلاً: «لقد بالغنا كثيراً جداً في الكذب على شعوبنا لدرجة أنه لم يعد بوسعنا مواجهتهم بالحقيقة»، مقتبساً جورج أوريل: «إن قول الحقيقة في زمن الدجل العالمي هو عمل ثوري».

ربما كان من قبيل الصدفة تواقت صدور كتاب ميشيل رامبو مع صدور كتاب آخر لسفير فرنسي آخر – وميشيل آخر – هو ميشيل دوكلو ينضح بالعدوانية، وتبني سياسة الحروب والدفاع عنها. لكن ميزة كتاب رامبو هو أنه يتحدث عن سورية كما نحبها، «قلْب تاريخ العالم هذا» .. عن الدولة التي ينبغي أن يحبها كل إنسان متحضر ومحب. حديثاً وضوحاً لا يحتار، لا يتورط في الأجواء العزيزة على الديبلوماسيين، ولا يبرأ أي شخص تصرف تصرفاً خاطئاً. ولا يخلط بين المُعتدي والمعتدّى عليه. فمن جهة هناك دولة شرعية عضو في الأمم المتحدة وتتمتع بحق الدفاع عن النفس وحماية سيادتها، ومن جهة أخرى هناك حشد «أشعث من الإرهابيين، قاطعي رؤوس، متوحشين، آكلي لحوم بشر».

نعم هي المصادفة ربما في توقيت صدور الكتابين .. لكنها المصادفة التي تجعل المرء يميّز بين أن تكون سفيه عند أخمص درجات السقوط، و سفير يحترم نفسه وغيره.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا