بفارق تجاوز السبعين ضعفاً من الأصوات عن نتائج الانتخابات التي جرت في آذار الماضي، استعاد مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو منصب عمدة اسطنبول الذي سُلب منه بطريقة بلطجية في المرة السابقة، إذ أظهرت النتائج النهائية غير الرسمية حصول أوغلو على نسبة 54% من الأصوات مقابل 45% لمرشح حزب «العدالة والتنمية» بن علي يلدريم.

ولأن «من يحكم إسطنبول يحكم تركيا» كما هو معروف في أدبيات السياسة التركية.. فإن خسارة حزب «العدالة والتنمية» لها بزعامة رجب أردوغان للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر ليست مجرد خسارة عادية أو كبوة عابرة. فالمدينة التي تشكّل 20% من أصوات الناخبين الأتراك تعتبر مقياساً حقيقياً لنزوع الشارع التركي، إضافة إلى كونها عاصمة تركيا الاقتصادية وميزانية بلديتها تفوق ميزانية الجيش التركي. ولذلك فإن سقوط أردوغان و«إخوانه» في امتحان الشعبية بخسارة كبيرة في حجمها كِبر اسطنبول، وثقيلة في وقعها ثقل الأزمة الاقتصادية التي تتخبط بها حكومة حزب العدالة والتنمية. لن يكون مجرد حدث عابر في السياسة التركية الداخلية والخارجية.

وإذا كان فوز المعارضة التركية في انتخابات بلدية اسطنبول بهذه القوة والفارق الكبير يشير إلى بدء تغيّر المزاج الشعبي في تركيا تجاه تجربة «الأحزاب الإسلامية». فإن تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية الذي يتبنى الفكر الإخواني ليس إلا تعبيراً عن هذا التغيّر الذي من شأن تداعياته وتسارع الأحداث خلال الفترة المقبلة أن يقود إلى إعلان انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، الأمر الذي سيمهد فعلياً لأفول عهد الأحزاب الإسلامية في تركيا، ويثبت فشل التجربة ورفض المجتمع التركي لها ولأفكارها المتطرفة والاقصائية، وعودته إلى التمسك من جديد بمبادئ الجمهورية العلمانية التي أرسى أسسها مصطفى كمال أتاتورك.

ولا يبدو وصف الكثير من السياسيين الأتراك الخسارة بأنها أشبه ببداية النهاية لحكم أردوغان وحزبه وصفاً مبالغاً به، فأردوغان استنزف رصيده بالكامل حين زجَّ بكل أحصنته الخاسرة، ورقصته الأخيرة على حبال الملفات التي حشدها لمعركة البقاء في اسطنبول (ومنها ملف الأكراد)، والتنويع الذي طالما برع به على أوتار الشحن الديني والتحريض الطائفي لم يعد يجدي مع الشارع التركي الذي نفد صبره.

ولا يبدو أن بقرة «العدالة والتنمية» التي هوت وأُثخنت بجراح الهزيمة المُرة في إسطنبول أمس ستسلم حتى من سكاكين الرفاق – أو «الإخوان» حسب أدبيات الحزب – والذين ينتظرون بفارغ الصبر فرصة كهذه للانقضاض والتغريد خارج السرب بلبوس سياسي مختلف، ومنهم عبد الله غل وأحمد داوود أوغلو وعلي باباجان وبولنت آرينتش وغيرهم.

ما جرى في اسطنبول أمس ليس حدثاً عادياً.. ولا يُتوقَّع له أن يكون كذلك، فمن يتابع عن كثب مسلسل أفول بدعة الأحزاب الإسلامية في المنطقة يُدرك أن “إخوان” تركيا ليسوا بمعزل.. يقول مراقبون.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا