بعد إلغاء نتائج الانتخابات التي جرت في 31 آذار الماضي يعود اليوم سكان إسطنبول إلى صناديق الاقتراع في جولة الإعادة لانتخابات رئاسة البلدية، وسط توقعات تشير إلى تراجع نسبة دعم مرشح حزب أردوغان أمام مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض «أكرم إمام أوغلو».

وتظهر استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً من قبل مراكز دراسات وأبحاث تركية وغربية أن مرشح المعارضة إمام أوغلو، الذي كان متفوقا على مرشح الحزب الحاكم “بن علي يلديريم” بفارق بسيط جدا في الانتخابات الماضية، أصبح اليوم متقدما عليه بأكثر من 8 نقاط.

ورغم محاولة أردوغان التقليل من أهمية الانتخابات البلدية في إسطنبول بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، إلاّ أن أفعاله تقول عكس ذلك، وخاصة تلك التي تصب في اتجاه كسب واستمالة أصوات ناخبين من عدة اتجاهات سياسية مختلفة سبق وأن وصفهم بالخونة والإرهابين، وذلك من خلال عدة ملفات داخلية وخارجية.

فأردوغان وقبيل موعد الانتخابات بفترة وجيزة فقط، حاول استمالة الأكراد وكسب أصواتهم من خلال ترحيبه المبالغ فيه بتصريحات زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان الداعية إلى الحياد، إذ أدلى أردوغان بتعليقٍ غريب على تصريحات أوجلان، حيث نصب نفسه متحدثا عنه رغم أنه اعتاد على وصفه وكل من له علاقة به من بعيد أو قريب بـ “الإرهابيين”، وفسّر أردوغان دلالات تصريحات “أوجلان” قائلاً: “إن تلك التصريحات من مظاهر الصراع بين أوجلان ورئيس حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش”، في موقف بدا وكأنه يسعى بشكل صريح لاستمالة أنصار أوجلان والذين يشكلون غالبية الأكراد في تركيا.

أمّا بالنسبة لأصوات الإسلاميين المنحازين إلى الداعية فتح الله غولن وحركة الخدمة، فقد  حاول أردوغان استمالتهم من خلال تصعيد لغته بخصوص قضايا إقليمية تخص جماعة الإخوان المسلمين، عبر الاستثمار في مسألة وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي لاستعطاف الإسلاميين الأتراك، وذلك من خلال تصويره الانتخابات وكأنها تجري بين “الإسلاميين وأعداء الإسلام”، “بين النظام الديمقراطي والنظام القمعي”، حتى أنه وصف أنصار مرشح المعارضة بـ ” أنصار السيسي”، كما وصفه أيضاً بمرشح “الأتراك اليونانيين”، وهي قضية هوية تركية داخلية بين شرق تركيا وغربها.

وحاول أردوغان استمالة أصوات القوميين من خلال تصعيد مفاجئ لمشكلة الخلاف مع الاتحاد الأوروبي حول مسألة التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية القبرصية.

إلغاء انتخابات إسطنبول الأولى بعد فوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، وتوليه منصبه لمدة ١٨ يوما فقط، وضع أردوغان في ركن سياسي خاسر في جميع الأحوال، مع اختلاف بسيط في درجات الخسارة فقط. ففي حال فوز إمام أوغلو مرشح المعارضة للمرة الثانية بانتخابات بلدية إسطنبول سوف تكون خسارة لأردوغان أسوأ بكثير من السابقة. فهذا يعني خسارته بلدية إسطنبول للمرة الأولى منذ ربع قرن، منذ كان أردوغان نفسه في صفوف المعارضة، وستفتح عليه باب الشقاق داخل الحزب. وهو شقاق موجود بالفعل، لكنه كان مؤجلا لحين الانتخابات البلدية.

وحتى وإن فاز مرشح العدالة والتنمية، بن علي يلدريم، على عكس نتائج استطلاعات الرأي، سيكون فوزا بطعم استغلال السلطة. وسيفتح على أردوغان أبوابا أخرى للغضب الشعبي، قد يتحول إلى مظاهرات كبيرة في إسطنبول وعدة مدن تركية. وسواء انتصر أو هزم فإن أنصار “إمام أوغلو” باتوا يعتبرونه “بطل المعارضة الجديد” القادر على تحدّي أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2023.

إصرار أردوغان على الاحتفاظ ببلدية إسطنبول ومخاطرته بقرار إعادة الانتخاب رغم علمه بالنتائج السلبية في كلا الحالتين، سببه الرئيسي مصالح حزب العدالة والتنمية الاقتصادية، ومصالح أصهار أردوغان نفسه الذين يتولون أكبر الاستثمارات والمشاريع فيها. فإسطنبول عاصمة تركيا الاقتصادية، وميزانيتها أعلى من ميزانية الجيش في وقت السلم، وهي تمثل 20٪ من حجم الناخبين الأتراك، أي أنّ إسطنبول هي من ستحدد خلال المرحلة المقبلة فيما إذا كان حزب العدالة والتنمية سيتسمر في السلطة أم لا، وهي من ستحدد مصير السنوات الأخيرة من حياة أردوغان السياسية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا