للوهلة الأولى ظنّ الكثيرون منا بأنّ حوار وزير الإعلام السوري عماد سارة الذي تابعه السوريون مساء أمس على شاشة «السورية» حوار قد تم بثه عن طريق الخطأ ومن دون مونتاج، فالمستوى غير المسبوق من المكاشفة والمصارحة ونقد الذات وتحمل المسؤوليات على شاشات إعلامنا الحكومي كان ملفتاً لكل من تابع الحوار الأول الذي يجريه الوزير سارة منذ توليه مهامه.

ولم يكن الوزير سارة مفاجئاً بـالـ «لاءات» التي أطلقها خلال الحوار، ولا بتوصيفه الصريح للواقع الإعلامي واعترافه بالتقصير وأسبابه فقط، بل بالتفاصيل الدقيقة التي تطرَّق لها وكانت بمثابة «بيان أول» لانقلاب على منظومة عمل حكمت عمل الإعلام السوري لعقود، وإعلان رسمي لولادة استراتيجية إعلامية جديدة تضع الإعلام في موقعه الصحيح بصفته «إعلام مواطن» و «إعلام وطن»، و «إعلام دولة» لا «إعلام حكومة «.

إذاً معركة التحدي بدأت.. ولا يبدو أن وزارة الإعلام في صدد الرجعة عنها، خصوصاً مع مضي الإعلام السوري فيما بدأه بنفسه قبل أيام وتجلّى في المستوى العالي من المكاشفة والمصارحة مع المواطن وعرض آراء نقدية قاسية على الإعلام نفسه.

وتبدو إشارة الوزير سارة إلى أن وزارة الإعلام لن تكون استثناء في أي ملف يتم طرحه على الشاشات السورية تأكيداً على مضي الإعلام السوري بالبدء من نفسه في طريق إعادة بناء الثقة بين المواطن والمسؤول من جهة، وبين المواطن والإعلام من جهة أخرى.

ورغم أن الإعلام لا يزال في الخطوة الأولى، لكن المتابع لما عُرض على الشاشات الرسمية السوري يلحظ أنّ الإعلام السوري وخلال فترة قصيرة جداً (أسبوعين)، حقق ما عجز عنه آخرون خلال السنوات الماضية، فهو على الأقل نجح برفع الحصانة عن كل ما كان يُصنّف سابقاً تحت اسم «خطوط حمراء»، ووجَّه رسالة للمواطن والمسؤول على حد سواء: نعم نحن جديون في ترجمة توجيهات السيد الرئيس ليس فقط في طرح هموم المواطن والمشاكل الخدمية وغيرها، بل في متابعتها والبحث عن حلول لها بطريقة واقعية وهادئة وموضوعية يتشارك فيها الجميع، المواطن والحكومة ويكون الإعلام فيها الحامل النزيه لتلك التشاركية.

وإذا كانت الخطوة الأولى لاقت صدى إيجابياً من الشارع السوري ولو بشكل نسبي، فإنّ الخطوة الثانية من المستبعد أن تسلم من العراقيل ومحاولات الطعن بجديتها ومصداقيتها خصوصاً ممن سيكونون هدفاً لها وسمّاهم الوزير سارة في حديثه التلفزيوني بـ «الفاسدين والمقصّرين».. وهؤلاء لن يعدموا أدواتهم ومنصاتهم الإعلامية التي استطاعت في مرات كثيرة كسب معارك تحويل ملفات الفساد والتقصير إلى «مظلوميات«.

وتؤكد مصادر «سيرياتودي» في وزارة الإعلام أنَّ الطرح المتوازن والواقعي والنزيه بين المواطن والحكومة، لا يعني بشكل من الأشكال المهادنة أو التردد في خوض معركة مكافحة الفساد والهدر والتقصير.. ولذا فإن قرار المضي قدماً لخوض معركة التحدي القادمة ينطلق من قناعة كبيرة بأن كسب ثقة المواطن السوري عبر إعلام جريء وشفاف وشجاع سيدعم الإعلام في مواجهة أية ممانعة محتملة من أصحاب المصالح في ذلك، وأنّ من يكسب المواطن وثقته إلى خندقه لن يخسر أي معركة يخوضها أبدا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا